السيد محمد تقي المدرسي
21
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
قبل الآية حيث ينهى ربنّا عن اتباع الطاغوت ، ويأمر باجتنابه ، والابتعاد عن إطار تأثيره الثقافي . يقول الإمامعليه السلام - : إن الله تبارك وتعالى بشَّر أهل العقل والفهم في كتابه ، فقال : ( فبشّر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أوُلوا الألبابِ ) « 1 » . ويتساءل البعض : من أين عرفنا أنّ الآية تبشر أهل العقل والفهم ؟ يبدو ذلك من أمرين : أولا : أنّ هؤلاء لا يأخذون الكلام على علاته ، ولا يرفضونه تماماً ، وإنّما يختارون الأحسن منه . وهل يختار الإنسان الأحسن إلَّا بمعيارٍ عقلي ؟ ثانياً : أن هؤلاء هم أُولو الألباب ، ولبّ الإنسان عقله ، وأصله فهمه . وكلمة أخيرة : إذا كانت من أعظم صفات المؤمنين التي يبشرهم الله بها صفة العقل واختيار الكلام الأفضل ، فإنّ معنى ذلك أنّ ربَّنا سبحانه لا يطالب عباده بالاتباع المطلق للنص الذي يستمع اليه ، بل الاتباع الواعي ، وانتخاب ما يناسب كل فرد في زمانه وحسب ظروفه ومستواه . الوحي يكمل العقل ويمضي الإمامعليه السلام - في بيان علاقة الوحي بالعقل ، وكيف أنّ دور الأول تكميل الثاني ، والاعتماد عليه في أصل الدين وهو توحيد الله . وإنّ ذلك ليدلّ على دور العقل في سائر نواحي الشريعة الفطرية . يقول الإمام : ( يا هشام بن الحكم ! إن الله جلّ وعزّ أكمل للناس الحجج بالعقول ، وأفضى إليهم بالبيان ، ودلهم على ربوبيته بالأدلة فقال : ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ، إن في خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابّة ، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) « 2 » .
--> ( 1 ) - الزمر / 17 - 18 . ( 2 ) - البقرة / 163 - 164 .